ليلة لم تنم فيها القاهرة

01/01/1970 - 02:00

وفى العاشرة مساء تبدأ الليلة فى الابانة عن وجهها الأحمر الساخن, فى العاشرة أيضا تصلنى الانباء عن إنفجارات فى دهب, الى متى يدفع المصريون ثمن حمق حكامهم وثمن إهتمامهم بالامن السياسى على الامن العام

حين وصلت صباحا إلى محكمة عابدين لم أكن أنوى أن امضى الليلة معتصما, غير أن دموع سلمى و قلقها على أحمد و مرضه دفعتنى إلى المبيت, زهرات جديدة تنبت فى حديقة الوطن ألتى لم تمت بعد برغم كل محاولات حرثها المستمرة

فى العاشرة مساء يصل على عامر, وفى جملة من جمله العبقرية يقول : كل مانتقدم خطوة, القهر بيرجع خطوة, وبنقرب للحرية خطوة , أجد نفسى بلا وعى اغنى أنا و هو

 مدوا الخطاوى مشوارنا لسه طويل ومالوش بديل

أنوى المبيت وتبقى مشكلة البرد, فحين نزلت من بيتى صباحا لم أكن أرتدى سوى قميصا خفيفا, احدى الزميلات والتى لم أكن أعرفها إلا لماما, تعرض على إعارتى جاكتا طلبت من صديقتها أحضاره هو و جواكت اخرى, أغرق فيه رغم أنفه و قصره الواضح, وبرغم كل شئ أشعر بدفء العلاقة الإنسانية, علاقة نبتت فى حضن مصر, كان عنوانها 

 بأمد إيدى لك طب ليه ماتقبلنيش

لايهمنى اسمك و لايهمنى عنوانك

بعدها يحلو الغناء والسمر , نبدأ بالاغانى المعتادة ثم نغنى أغانى جديدة تماما, من ناحية قلبى ونار قلبى, ثم نيرون , إسماعيل يس يسكن وجداننا الذى يرغب فى الضحك فى عز البكاء

يخرج القضاة للتحية, يتقدمهم المستشار مكى وبسطويسى, كم هو رائع أن تشعر بان من تتضامن معهم لا يريدوا منك الرحيل

وتمضى الساعات بنا, التدخين القاتل والارق المعتاد فى غياب المنوم اليومى, لكن من أين يأتى العيون النوم و مصر تسهر, موعودين بالجرح ياحنا والهنا للموعودين, كان إمام يغنى بشدة فى عقلى الباطن, وكان حبى للحرية يتنازع النصف العاقل, فصرت  أمشى على حبلين لا أبغى سوى السهر وقضاء تلك الليلة الرائعة

وفى الثانية والنصف,أذهب لشراء ما يقيم الأود, ولأن المؤمن مصاب, واللى أتلسع من الشوربة ينفخ فى الزبادى, نستشعر الخطر من رجال المرور الذين قرروا وفجأة تخطيط الخطوط فى طلعت حرب من جديد, نحاول الاستعداد للهجوم , البعض يقترح دخول النادى فى حالة الهجوم والبعضيبحث عن كاميرا لتصوير ما سيحدث, لكننا سرعان ما نستبين قلقنا المفرط, وندرك أن رجال الأمن قد نسونا ولو مرة

أكاد أتساقط من التعب لكنى أكمل, ليس فى الامر شجاعة, ليس سوى غياب المنوم, وعدم إعتيادى المبيت على الرصيف, وعندما يأتى الصباح يجدنى أتجول فى شوارع وسط المدينة, أنظر لما لم أعتد رؤيته, أنظر الى النهار وهو يغرق القاهرة بنوره اللازوردى

انتهت الليلة التى لن انساها, ليلة لم تنم فيها القاهرة, ألتى قلما ما تنام, ففى كل ليلة من لياليها طفل جائع, ومتشرد يبحث عن مأوى بعيدا عن رجال الشرطة, وجائع لايستطيع النوم من شدة الجوع

ارحل عائدا إلى منزلى , أنتهى مبيتى معتصما وبقيت داخلى عدة أسئلة أثارتنى فى تلك الليلة, ما ألذى يجعلنا نركزجهودنا فى إطار واحد وفقط دون بقية الأطر والجوانب, بل أننا حتى ننتظر حتى يتم التحرك من خارجنا؟ , وماالذى يجعل البعض يزايدون على أنفسهم ويرفضون اللجوء إلى نادى القضاة فى حالة حدوث إعتداء؟ , ولماذا برغم كل تلك الجهود الرائعة لم نستطع بناء حركة قوية حتى الآن؟

أسئلة كثيرة اثارت عقلى, فى ليلة لم تنم فيها القاهرة,ولم ينم فيها المعتصمون,ولم ينسى عقلى الذى أبتلى بداء التفكير أن يفكر و يثير الأسئلة

ليلة أحسست فيها ثانية أنى لازلت أحيا ولا زال قلبى ينبض ولم ينسى انه يحب الحرية, وأن بامكان الانسان أن يمنح الدفء لمن لايعرفه, وبامكان الانسان أيضا أن يذوب فى الآخرين عندما لا يقف عند حدود أنانيته الفردية ويتحد مع الاخرين فى حبهم للحرية