التحرش- الخشوع أمام وطأة الحقيقة مقال لاكرم إسماعيل
Submitted by nadim on Fri, 10/11/2006 - 10:25.
الخشوع أمام وطأة الحقيقة
فى أول أيام هذا العيد ، وفى أثناء محاولتنا للترقب من خلال هذا الضباب الكثيف الذى يحجب الرؤية ويمنعنا من قراءة القادم ، من فهم كيف يتحرك النظام السياسى و كيف يتعامل مع الوضع الراهن وتحديات اللحظة والى أين تتحرك قطاعات وشرائح المجتمع المصرى. فإننى أشك حقيقةً فى قدرة أى فرد منا على فهم ما يحدث فإن ما لدينا كنشطاء من معلومات قليل وغير كافى للتنبؤ أو التفسيرولأن مواقعنا ضئيلة وخبراتنا متشابهة فخيالنا محدود ولأننا تعلمنا وارتضينا أن نصيغ مواقفنا وأن نحلل الظواهر بناءً على مشاهدتنا اليومية وأخبار الصحف، فقد قمنا فى السنتين الماضيتين بإنتاج أدبيات نظرية ضخمة مصدرها ظواهر ومشاهدات تقع أعيننا و مسامعنا عليها تحدث فى بعض البقاع المنيرة للقاهرة. ولأن ما يلفت الانتباه يجب دائماً أن يكون صاخباً فإن ما نصطفيه من هذه اليقاع المنيرة من المدينة ليكون وقود ميكنتنا التحليلية الضخمة و أدواتنا الدعائية يجب أن يكون تجمع ضخم فى طلعت حرب أو مظاهرة تحرش جماعى أمام سينما مترو أو اشتباك بين الأمن وبين بعض الناشطين أمام نفابة الصحفيين ،نعيد اكتشافه وقراءته وتسكينه فى نماذجنا الباهتة .وبعد الوصول للاستناجات المختلفة تبدأ بعض المناظرات وتحتقن قليلاً ثم تهدأ ويذهب الحدث بعيداً ويذهب منطق المناظرات ويبقى الاحتقان والرؤية الباهتة. يبدوا أننا قد اخترنا الانتظار ،اخترنا أن نصبح عيون مدربة قادرة على رصد أى حدث يمكن إذا تم تقديمه بصورة جيدة أن يؤنس وحدتنا ويشغلنا عن عجزنا عن التأثير والفهم. و يبدو لى أن هذا التمرين هو تمرين مناسب لصحفى، ولكن هل هذة المهارات والخبرات تكفى أو تناسب ناشط سياسى. و فى ظل هذا المشروع التى تبنته المعارضة الجديدة و الذى ارتكز على حملة تشهيرلا تلتزم بأى معايير او حدود تجاه النظام وربما فى بعض الأحيان تجاة المجتمع. قامت مدونة بنشر صور قالت أنها تخص مظاهرة تحرش جماعى أمام سينما مترو. ويبدوا أن الحادث كان نموذجياً وملائم لمزاج الناشطين الجدد ومثير للشرائح الجديدة من المجتمع االمصرى. فإن الحدث وقع فى مكان يقع فى دائرة النفوذ التحليلى والإعلامى لنخبة وسط البلد ، ناشطين حركات التغيير الجديدة، حادث أبطاله مشاغبون و ضحايا من البسطاء وموضوعه مغرى-سينمائى –و أخلاقى (تحرش جنسى جماعى ببنات أول يوم العيد) مما رشحه أن يصبح موضوع الساعة ووقود الميكنة التحليلية و عروس مولد "من أجل التغيير". فى ساعات قليلة نجحت المحاولة وأصبحت مظاهرة التحرش الجنسى هى موضوع الساعة. ولأن مشروع التشهير النبيل لا تهمه الأحداث ولايهمه دلالتها الإنسانية والاجتماعية و لا يهمة ما تحملة من تناقضات ولا يخشع من وطأة الحقيقة, بل يهمه الدراما والمأساة و الفزع ، تعنيه الإدانة والتشهير، فظهرت الرواية كالآتى: قام مئات من الشباب بتحرش جماعى بعدد من الفتيات وازداد أعداد المتحرشين بمعدل سريع وتم انتهاك أجساد البنات بضراوة ولم تتدخل أهالى الحى ولم يتدخل الأمن. ثورة المكبوتين الذين صنعهم نظام مبارك الفاسد, على مرأى ومسمع من الأهالى الجبناء بل الشامتون فى غياب الأمن الذى لا يكترث إلا بمحاصرة مظاهرات التغيير النبيلة. وطبعاً بناء عليه ساد الفزع لدى البنات ولدى أهالى الطبقة الوسطى العاقلة واكتملت صورة المأساة بمانشيتات الجرائد (ثورة الجياع-الانهيار-المتحرشون يجوبون الشوارع-أين الامن) وطبعاً دموع منى الشاذلى. وبعد التحليل والتفتيش والتهليل والادانة وبعد ملحمة طويلة من العديد هدا فزع الشرائح الوسطى العليا الورعة التى لم ولن تواجة بناتهم هذة الاشكال من التحرش لان بناتهم لا يتعاملوا مع المواصلات العامة المسكونة بالتحرش الجنسى وبملصقات الفضيلة ولا ينتظرون العيد ليدخلوا سينمات وسط البلد الرخيصة ولانهم يعرفون جيدا ان اذا حدث هذا لاحدى بناتهم سيهتم وزير الداخلية بنفسة بالموضوع، وبالنسبة للنشطاء فانهم تناسوا الموضوع وبقى مديحهم لادواتهم التشهيرية الجديدة المدونات، الصحافة الحرة، وقدراتهم على حشد الراى العام الزائف وقدراتهم على اعادة ترتيب اجندة معدة برناج العاشرة مساءا، واقترح بعضهم مظاهرة اما نفابة الصحفيين ضد التحرش(موسم وفرصة). باللة عليكم الاترون الجريمة، الاتروون كيف اصبح النشطاء لا يعنيهم البسطاء ولا يهتموا لامرهم الا عندما يقوموا بعمل شاذ امام اعينهم فى وسط البلد. اما من اين اتوا هؤلاء المتحرشون وما يحملون من احباطات و كيف يفهرهم الامن (الغائب) فى احيائهم فلا يهم لانه لايخدم التشهير و لابريق لة. هؤلاء الشبان مكبوتون ليس لأنهم محرومون من ممارسة الجنس (فالأحياء الشعبية مليئة بالجنس) ولكنهم محرومون من شكل الحياة النموذجى الراقى المنسجم الذى تتغنى به و تعرضه البرجوازية وقطاعات فى النظام على مسامعهم وأعينهم ليلاً و نهاراً، محرومون من أى فرصة للصعود الاجتماعى, فإن الشرائح الجديدة للمجتمع المصرى تعى جيداً أن الكعكة صغيرة وأن شكل حياتهم واستهلاكم لا يترك من الكعكة ما يحتمل صعود آخرين، وبالتالى يبقى الفيتوعلى الصعود الاجتماعى واستدعاء الأمن لمواجهة المتحرشين الجياع وسائل تعاملها مع البسطاء.وبما أن هذا يروق لنشطاء وسط البلد .ولأن النشطاء ليس لديهم مواقع للعمل داخل الاحياء ومع البشر المهممشين بل إنهم يرتكزون فى وسط البلد ينتظرون حدثاً يحرك أدواتهم و قريحتهم النضالية؛ فيصبحوا فواعلية لبرجوازية تبسط مزاجها و نفوذها على المدينة, أو لتيار رجعى له مواقعه وينفصه مشروعاً جامحاً للتشهير كالاخوان المسلمين.
أكرم إسماعيل
»
- Add new comment
- 956 reads











(خارج السياق)