حكم قضائى ومعركة مستمرة-2

مابين إبريل وديسمبر جرت مياه كثيرة فى نهر الوطن، مابين إبريل وديسمبر تغير فهمى قليلا للقضية، زدت تعمقا فى فهمها وبقى عنوان القضية كما هو، حرية الفكر والعقيدة

فى إبريل الماضى كتبت تعليقا على الحكم الاول الخاص بالبهائيين "الحكم القضائى خطوة فى الطريق , خطوة ضئيلة لا تساوى شيئا إذا تم إهمالها ولم يقم المؤمنون بحرية الرأى بتعميقها"، وبالامس لم أجد بعض سماعى الخبر أمامى إلا ترديد نفس الكلمات وكأن شيئا لم يكن ولم يتغير، ولكن تغير الكثير

حرية الفكر والعقيدة، سيظل ذلك العنوان ثابتا، لكنه يتعمق بقدر تعمقنا فى فهم القضية، حرية الفكر والعقيدة عنوان مفقود فى كل حياتنا وفى جل قضايانا فلم سيحضر فى قضية شائكة مثل قضية البهائيين؟، قضية تتضمن الاعتراف بدين تعتبره الاكثرية المسلمة خطرا على هويتها المقدسة، الهوية المقدسة مفتاح الحل هذه المرة

الهوية المقدسة تلك التى وقف ليدافع عنها هؤلاء الذين جادلوا شريف أمام قاعة المحكمة، لم يفهم المجادلون من الاسلام إلا انه إنتماء طائفى ضيق كالانتماء إلى الاهلى أو إلى الزمالك أو فودافون أو كليك، ولنتامل بهدوء

مابين إبريل وديسمبر، زاد التعلق بالهوية الطائفية الرافضة للمختلف فمابالنا بالمخالف، الرفض القائم على الحفاظ على إنتمائى لأى شئ هو سمة الحوار فى كل دقيقة ولحظة وهمسة، و ما كتب من تخوين متبادل ضد من كان لهم رأيا مخالف للسائد فى حرب لبنان من تقديس مطلق لحزب الله،يصب فى نفس المجرى المائى، حوار ابتدأ بالتخوين وانتهى بالدعوة للتبول على كل من تجرأ ومس الهوية المقدسة المحافظ عليها فى جيتو مغلق، اسمه رأيى الضيق الواجب المحافظة عليه

حرية الفكر والعقيدة، تتضمن قبول أنك ومن تختلف معه مشتركون فيما هو أعمق، أنكم بشر لكم نفس الحقوق ولا ينتقص إعترافك برأيه من هويتك ووطنك وذاتك

الوطن، مرة أخرى ذلك الوجع الدائم، الوطن الذى يتضائل كل حسب فهمه ويتحول من مشروع تحررى قائم على قبول كل إنسان على أرض الوطن لعقد إجتماعى يحفظ حقوقه وحقوق الآخرين، إلى وطن ضيق، إلى لحية وجلباب وحجاب، ونفيا للمختلف وقتلا بالضرورة للمخالف

الوطن يضيق جدا، يتحول إلى مجرد تشجيع لفريق الكرة القومى ونفيا للوطنية عن كل من لم يدل بدلوه فى الهوجة، يتحول إلى انتماء للاهلى فى المدرجات، لاتستغربوا إذا مما حدث طالما اننا سكتنا على من رفع شعارا، لو مش أهلاوى تبقى مش مصراوى، من ينفى المصرية عن المختلف عنه فى تشجيع الفريق الكروى، سينفى الوطنية بكل سهولة عن المخالف لدينه، وسيقتله بدم بارد

الحكم القضائى الصادر، أمس، لم يتضمن نفيا دينيا إسلاميا للبهائيين إلا بالتجاور والتوازى مع نفيا وطنيا لهم، ولنقرأ معا " في مقابل كلام شاعري معسول بالدعوة إلى إقامة حكومة عالمية هي الهدف الأول والأساسي لحركة البهائية وهذا احد أسرار علاقتهم بالقوى الاستعمارية _ قديمها وحديثها _ التي تحتضنهم وتدافع عنهم "

القوى الاستعمارية، ومن فضلك لاتضحك، تلك الكلمة التى نسيناها طويلا بعد أن تخلى عنها نظام الحكم، وتحولت امريكا إلى الصديق الاول التى تمتلك تسعة وتسعون من أوراق اللعبة، لكننا تذكرناها فجأة حين أستخدمت للتحريض ضد البهائيين، التحريض الطائفى يتضمن أيضا، نظرة ضيقة للوطن تضيق جدا لتراه وطنا قائما على الشريعة الاسلامية، التى تتحول إلى إنتماء وفقط ، يظهر فى لحية وجلباب ولافتة بعرض الطريق" لا اله الا الله محمد رسول الله" بينما يتم تناسى كل الباقى، كل الروح السمحة الموجودة، لقبول المخالف لك فى العقيدة

حرية الفكر والعقيدة، قضية ستظل قائمة، حتى يدافع عنها الاكثرية الصامتة، الاكثرية الرافضة للمخالفة، والمرتاحة لما يتيحها لها إنتماءها للاكثرية من إمتياز، الاكثرية التى تغض نظرها عن حقوق الغير المضطهد، "يا جحا البلد بقى كلها ملوخية طالما بعيد عن بيتى يبقى أمان"، وتنسى الاكثرية أن القضية مترابطة، وان الجعبة إذا ضاقت تحولت ضدها السهام والنصال، وليس ببعيد إستجواب حمدى حسن ضد يسرا لرأى فى الرقص، رأى لا يتعلق ابدا بالدين، لكنها الجعبة المتسعة والتى تعتمد على لى أى نص لوضعه تحت المقصلة، مقصلة الجملة المطاطية، المعلوم من الدين بالضرورة، والتى أستدعت تعليقا قاسيا من أحد الاصدقاء، لو كان هناك معلوما بالضرورة لما كان هناك حاجة للرسل، مبشرين ومنذرين

حرية الفكر والعقيدة، ذلك الحق المنسى دائما وأبدا فى ظل هتافاتنا يسقط ويحيا دون أن ندرى لماذا ولمن، وفى ظل ذلك يضيق حد الاتساع ووسع المدى إلى حد الاختناق وملامسة المقصلة، فى ظل من يساوى تصريحا ضد الحجاب بالقتل فى محاكمة شعبية فى لجنة حريات بنقابة المحامين، حريات لاتعى ولاتفرق بين القتل الذى ساواه النص القرآنى بقتل الناس جميعا، وبين الحجاب الذى لم يرد فيه نص صريح، ولم يرد فى مخالفه حد، النفى الوطنى والدينى،هو اسهل طرق مواجهة الإحتلاف واسرعها للبديهة، بإعتبار أن الهوية المقدسة تتضمن كل ما هو هنالك وكل ما الفينا عليه أباءنا، والعقل منفى إلى أجل غير مسمى، ما أسهل التخوين عند من يعتبر هويته، الضيقة بالضرورة، فى خطر

الهوية كلمة السر، كبديل لانتماء أنسانيا أوسع، ترافق ذلك الاستبدال مع إنفراد قوة عالمية واحدة للهيمنة فتم إستبدال الهوية الانسانية بالهوية الاثنية الضيقة، من لم يكن معى فهو ضدى، والحروب الصليبية، لدرء خطر انتماء انسانى يتضمن إعترافا بالمساواة وحق الجميع فى الحياة ومن ثم فى حقهم فى مصارعة الاستغلال، تم الاستبدال لدرء خطر الوحدة العالمية الطبقية، وتم تبنى الخطاب ممن يفترض منهم مصارعة القطبية الواحدةن وتحول الامر من يا عمال العالم إتحدوا إلى يا عمال العالم وحوده، ومن ثم تميزوا، الفرز الطبقى والفكرى القائم بالاساس على أن البشر متساوين لهم نفس الحقوق لانهم بشر وفقط، تحول إلى فرز هوياتى ضيق لصالح إنتماءات طائفية واثنية

حرية الفكر والعقيدة معركة متكاملة لن تنتهى بالضربة القاضية الفنية والسكة مش طويلة ويسقط ويحيا، معركة طويلة لان طلقاتها توجه على جبهة الوعى، لاستبدال هوية طائفية ضيقة بهوية إنسانية أرحب، قبلت حتى عهد قريب المخالف، والسلام والتحية لمن قبل صديقى رامى البهائى حتى وجدته بجوارى فى المدرسة الاعدادية وكان الجميع يعرف ديانته لكن أحدا لم يقتله

حرية الفكر والعقيدة، يمارسها البعض دون شعارات حين لا يعتبرون المختلف مضادا لهويتهم المقدسة، يمارسها والدى معى كل صباح فى صلاة الفجر، حين يصلى هو وأخرج أنا لشرب فنجان القهوة الصباحية فى الشرفة، أسمع دعاءه لى بالهداية حين يشم رائحة دخان سيجارتى المتسلل إلى أنفه فأضحك، لكنه لم يحاول أبدا أن يقتلنى لعدم صلاتى، وتخدينى فى البيت، ربما لانه يعرف أنى ابنه مثله ولست غريبا، علمنى إياها دون ان يدرى فأدركتها، ان اتقبل الناس كما هم فتقبلنى البعض كما أنا، فقط حين أعتبرونى مثلهم، انسانا لم يضيقوا اتساع مفهومه بهويات طائفية واثنية ضيقة