سهيل ادريس - صانع المشاريع
Submitted by عبدالله النديم on Thu, 21/02/2008 - 22:07.
مختارات من ملف عن الراحل سهيل ادريس من إعداد محمد طعيمة
لتحميل الملف كاملا أضغط هنا
_____________________________
حنا مينه: إلى سدرة المنتهى رحيلك يا معلم
الذي علّم الإعجاز تحطمت به سفينة العمر على صخرة الموت فحقّ للأجيال أن تبكيه، وأن ترثيه، وأن تفتقده راحلاً على جناح غمامة بيضاء إلى سدرة المنتهى. لقد مات المعلم، مات الدكتور سهيل إدريس صاحب رواية «الحي اللاتيني» وما تلاها من روايات، ومن عطاءات أدبية نهل منها وتتلمذ عليها جيلنا، نحن الأدباء الذين يعتصر الأسى قلوبهم على فقد هذا الرائد الكبير الكبير، مؤسس مجلة «الآداب»، وباني أعرق دار للأدب في الوطن العربي كله، ليس لأنها دار «الآداب» وحسب، بل لأنها مدرسة تخرجت منها أجيال وأجيال من الأدباء العرب، ومن هؤلاء حنا مينه، الذي تحول المسافات والأمراض بينه وبين وداع هذا المعلم شخصياً، فيكتفي، وهو على هذا البعد، أن يرشق قارورة عطر على جانح نعشه المكفّن بالجلال. إن الرحيل في عربة الموت، على طريق الأبدية، هو قدرنا جميعاً، فلكل أجل كتاب، ولكل نجمة أفول «وكل أخ مفارقه أخوه، وكل مشعشع فإلى غروب». إلا أن المرض الذي أقعد هذا المعلم طوال أعوام، واحتمله صابراً محتسباً طوال أعوام، قد أوهن جسده، واستلب غاشماً بصره، وبرى لســانه الذي طالما برته الكلمات التي خطّها لنا، وفيها عصارة دماغــه وخلاصــة تجاربه، وفيها دعوته التي تركها لنا وصية لنا، في أن يكون للأدباء اعتــصـام بالعروة الوثقى، ووثوق بقدسية الحرف وإيمان بقدرة الكلمة لتكون لهم وحدة تدفع الغائلة عنهم، وقدرة على فرض حرية التعبير، التي دونها يعتري القلم الشريف شلل قاتل ليس في مصلحة أحد، من حكام ومحكومين، في هذا الوطن العربي الكبير. كما كانت للمعلم الراحل رغبة قلبية في أن يسود السلام والوئام والمحبة ما بين الشقيقين سوريا ولبنان. فيا أيها المعلم الراحل والزميل في أمنيتك المجتلاة من أجل وحدة العرب في كل أقطارهم، لك نقول: لا نملك إلا ما قاله الجواهــري في رثاء الوطــني العراقي الكبــير جعــفر أو التـمّن: «طالت ولو قصــرت يدُ الأقدار/ لرمت ســواك عـظمتَ من مختار». نعم طالت يد القدر، ولا رادّ للقدر. طالت فشالت بك إلى عليين وقصرت بنا لأننا تخلفنا في الرّكب عنك، وكنا كما قال حافظ ابراهيم لأحمد شوقي: «قد كنت أوثر أن تقول رثائي/ يا منصف الموتى من الأحياء». وحاشى يا معلم، أيها المنصف ونعم المجير، حاشى أن تكون قصّرتَ في إنصاف أحد، وفي أخذنا في طريق الإبداع الذي هو الأغلى والأسمى في دنيانا الفانية هذه. لك رحمة ربك ومرضاته وغفرانه. ولأسرتك المفجوعة بك جمـيل الصبر وصادق العزاء.
_________________________________________
وليد إخلاصي: الغائب الحاضر
رحيل سهيل ادريس يحيي في الذاكرة مجلة (الآداب) الشهرية التي كان رئيس تحريرها منذ العدد الأول في العام .1953 وكان قد كتب في مقدمة العدد الأول من السنة الثانية: «ان هذه المجــلة تلح على اتجــاهين: أولهمــا وأهمــهما دون ريب محاربة الاستــعمار الذي ترزح تحته الأمة العــربية، أيــا كــان شـكل هذا الاستعمار، وأيــا كانت الدولة الأجنــبية التي يصدر عنــها. وأما الاتجاه الثاني، فاستيحاء المجتمع العربي الأدب الذي يحتاج اليه هذا المجتمع». منذ البداية أعلن سهيل ادريس عن ربط المشروع الثقافي المتمثل في مجلة الآداب بوجهي عملة القضية العربية: النضالي والابداعي. وهكذا استمر سهيل ادريس متقدما في دربه، فكان ان استقطب مشروعه أهم الكتاب والشعراء وأوسع رقعة من المثقفين العرب. وإذا ما ظهرت دار الآداب للنشر كان سهيل ادريس يستكمل مشروع عمره تسانده أسرته من طرف والتعاطف الجماهيري من طرف آخر. نصف قرن من الابداع والايمان بدور الثقافة في الحياة، أمضاه سهيل ادريس بحيوية وإخلاص جعلت منه واحدا من الرموز الثقافية العربية، فما عاد غيابه من المسرح بمؤثر على الدور الذي ارتضاه بعد ان بات حضوره الغائب الآن وجودا مستمرا في الزمن القادم. كان سهيل ادريس مزارعا جادا أتقن دفن البذرة في تربة خصبة وروى الأرض بالمثابرة والاخلاص للمجتمع الممتد على ساحة الجغرافيا العربية. لنحيّ الراحل بالدعاء لمن يعمل على متابعة مشروعه بالحرارة التي كانت لسهيل ادريس.
----------------------------------------
كتّاب مصريّـون يتذكّرون: وُلدنا مـن رحم الآداب
القاهرة ـــ محمد شعير
«لا يوجد مثقف مصري من جيلي إلا ويدين لهذا الرجل»، هكذا علّق الروائي جمال الغيطاني على نبأ رحيل سهيل إدريس الذي سرعان ما ألقى بظلاله على جلسات «الملتقى الرابع للرواية العربية» المنعقد في القاهرة. الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي قال إن رحيل إدريس «صدمة شخصية... لم يكن مجرد كاتب لبناني. هو أدى دوراً متميزاً في الثقافة العربية، لا بصفته رئيساً لتحرير «الآداب» فقط، بل أيضاً بصفته روائياً متميزاً، شُغِلَ بالقضايا الأساسية نفسها التي شُغلنا بها نحن: علاقتنا بالغرب، وعلاقتنا بالتراث. والذين قرأوا «الحي اللاتيني» يعرفون أنّه قدّم للرواية العربية إضافةً حقيقيةً، وكانت حلقة في طريق بدأه توفيق الحكيم ويحيى حقّي وطه حسين. وقد أدى هذا الدور باعتباره أيضاً صاحب مشروع ثقافي هو «الآداب» التي كانت علامة أساسية في طريق النهضة. وقد ظهرت في بيروت في العام الذي احتجبت فيه مجلات «الرسالة» للزيات، فحملت الشعلة قبل أن تسقط، وواصلت التقدم بها. وعلى صفحات «الآداب»، انتصرت حركة تجديد الشعر العربي، والتقى جيل من الكتّاب المصريين واللبنانيين والسوريين والعراقيين، ووجدت العروبة والتقدمية منبرها الذي جلجل فيه صوتها طوال الخمسينيات والستينات». ويضيف حجازي «قصائدي الأولى نشرتها في «الآداب»، كما أنّ جيلنا الأدبي برمّته يدين لإدريس بالفضل، لقد نشر الديوان الأول لصلاح عبد الصبور والكتاب الأول لرجاء النقاش ولأمل دنقل». ويضيف حجازي «كان سهيل أيضاً صاحب موقف. هذا الموقف كان تعبيراً عن فكرة العروبة. فقد كانت في لبنان مؤسسات أخرى تنحاز لتيارات فكرية وسياسية مختلفة تتحدث إما عن القومية السورية أو عن علاقة لبنان بالثقافة الأوروبية أكثر من علاقتها بالثقافة العربية. ظهر سهيل ليمثّل التيار الآخر الذى يحقق التوازن». ويستكمل حجازي «مواقف» إدريس «عندما فصلني السادات من عملي الصحافي عام 1973، دافع سهيل عنا في «اتحاد الكتّاب العرب». هكذا، يمكن أن أرصد له عشرات المواقف. الدور الذي أداه سهيل يحيي ذاكرته ويضمن له حياةً باقيةً». الدكتور جابر عصفور اعتبر ادريس «رمزاً ساطعاً من رموز الاتجاه القومي» ويتذكر «نشرت كل مقالاتي الأولى في «الآداب»». أما الروائي بهاء طاهر فتأثر عندما عرف بخبر رحيل ادريس. «مجلّة «الآداب» كانت المتنفس الوحيد المتاح لنا طوال الخمسينيات والستينيات، عرّفتنا إلى كل التيارات الجديدة في الغرب. وتبلورت فيها كلّ التيارات الجديدة في الأدب العربي». الروائي إدوار الخراط تحدّث بحزن عن رحيل إدريس والدور الذي أدته المجلة و«دار الآداب»: «لا أحد يستطيع أن ينكر الدور الذي أدته المجلة بالتزامها أفكار القومية العربية وأطروحاتها، والتعريف بأهم التيارات الأدبية والفلسفية الفرنسية مثل الوجودية. و«الآداب» أتاحت مناخاً ديناميكياً تهبّ فيه رياح التجديد، بل التجريب والمغامرة في وجه الجمود السلفي وضيق الأفق التقليدي». بعدما استوعب جمال الغيطاني مفاجأة الرحيل، أضاف: «كان النشر في «الآداب» بمثابة ميلاد لظهور أديب جديد نظراً إلى صدقية المجلة. لا يمكنني نسيان الفرح الذي انتابني يوم نُشرت فيها قصتي الأولى «رسالة فتاة من الشمال»عام 1964» ويضيف: « لقد أقدم ادريس على نشر «أولاد حارتنا» بعد مصادرتها. وهذا ما لم ينسه له نجيب محفوظ حتى رحيله». الروائي محمد البساطي يضيف قيمةً أخرى تركها إدريس: «عبر «الآداب»، تعرفت إلى أدباء العربية كفؤاد التكرلي وزكريا تامر وكل أبناء جيلي في بلدان عربية أخرى». أما الروائي خيري شلبي فرأى أنّ الدور الذي أداه إدريس خطير. إذ صدرت «الآداب» في لحظة تاريخية وجمعت النخب الثقافية من الوطن العربي، فاعتُبرت «الحضن الأول الذي احتوى بواكير تجربة التجديد في الشعر العربي الحديث والقصة العربية».
»
- Add new comment
- 44 reads










