حلم

01/01/1970 - 02:00
بقلبي هذا الذي لم أسلمه لأحد ابدًا والذي يخفق لكل عابرة حلمت، وبعقلي هذا الذي لم يحتله احد أبدًا والذي يفكر في كل سائر تذكرت، وبقلمي الذي شابه الكثير اكتب، وحلمي ليس لك كما ان حلمك انتِ البعيدة ليس لي ولا حلم أحد لآخر ولا حلم الآخر له، فعن نعسان بن راقد قال حدثنا حلمان بن نائم فقال: من حلم حلمًا فهو له إلا أن يقص ، وها أنا أقص حلمي فلا تعير سمعًا .
وعلى قدميّ هاتين المنهكتين أجري كل صباح مع الشروق وأصارع السابلة لركوب الحافلة فينتابني الحلم، بعمل لا ينفصل عن إحتياج، لأكل وشراب وبعض سجائر وقليل من الكتب، وزجاجة نبيذ أحمر وكوب من النبيذ الابيض وبعض مزة وليلة خميس .
وبجسدي هذا الذي تنتمي يدي الكاتبة إليه، أستلقي على الكتب وأعشق من الشعر جيده ومن النساء أجملهن بشعر أسود ووجه حنطي ورقبة منسرحة وتسكن الساحل أو النهر أو قاع الماء،  وأكتب لها بيتًا ولا بيت لي، فاسكنوني أحد أبيات الشعراء اليائية المعوجة وأبعدوا جسدي الضعيف عن إنحناء الحاء
 
فيا ربي أناجيك في سري
خبزي وكتبي وعملي ونهدها المنبسط
أعطني اليوم
وأدخلني الاتوبيس سالمًا
ونجني من سماع شخير النائمين في الغرف المزدحمة
 
وبعينيّ هاتين من خلف نظارتي حلمت بحجرة فوق سطح لبيت من بيوت ضاحيتنا الشرقية العامرة، وجلست على السطح الفارغ من كل الأشياء ما عداي وشجيرة ورد وبعض اعواد ريحان أسقيها بيديّ، وكثيرًا ما تيمتني أسطح بأفاريز وأسطح بنقوش وأسطح إسلامية وأخرى باروكية وأسطح بلاشكل لكنها مستني فاستقبلتني بعد جلسات المقهى ولعب الشطرنج، وحلم بشاطئ المتوسط وصخرة الوادي وجارته وليلة ربيعية مقمرة وبصحبتي طعام لقطط السلالم، وبعض خس لمعدتي النباتية، وكاسيت صغير وراديو ترانزستور وكأس خمر وعينيها اللوزية .
 
وبأنفي هذا شممت رائحة العطر ورائحة التبغ ورائحة الشجر ورائحة السطح ورائحة القهوة السوداء المرة فى ضوء القمر الابيض وشممت رائحتها وهي تنزل على سطحي بشعرها البني المموج وابتسامتها ذات السنتين لتشاركني رقصتي الوحيدة في ليلتي الوحيدة على سطحي الاعزل وأنغامي الاسمهانية، فارحت رأسي الذي أحمله على صدرها التي تحمله فسقط عنا التعب الذي نحمله .
 
ودار المؤشر فغنى
عم حس إنه الحب بدو عمر تاني
بدو قلب تاني
بدو شخص تاني
 
عندها زعق الوابور ع السفر انا قلت كان بدري و رفع البحارة الهلب ، وسافر حبي إلى من لم تستقبله و عاد إلي خاسرًا ، فحملت وأنا أخلع جوربي المثقوب من قدمي المتعبة على سريري الخشبي الواطئ في غرفة منزلنا الفقير، وأسرت نظري إلي حلم قيد السقف، فنمت على وعد بصرفه إذا جاء الصباح وأذن الديك .