في ذكرى الثاني عشر من تموز

 
 أمر سهل ومغر بلا شك، ذلك بان تكتفي على كتابة الذكرى السنوية لأحداث ما، وهو ما سيوفر لك مادة كافية للكتابة طوال العام، وهناك فكرة تلح عليّ من ىن لاخر في كتابة كتاب كامل من هذا النوع اسميه " حدث في مثل هذا أو لم يحدث ".
ولن تخل أيام العام من الاحداث التي ستكتب عنها، وبخاصة لو تخصصت في تذكر الاحداث السياسية، حيث يعتبر وطننا العربي عامر بها والحمد لله .
لكن أمر هذه الذكرى يختلف .
وكيف لا وهي لازالت ساخنة غضة خضراء ولا زلت أتذكر كيف عشتها، تبقى السنون الأولى دومًا اكثر السنين إلتصاقًا بالاحداث وحرارتها، الذكرى الأولى والثانية مع الثالثة تبرد الحرارة ومع الخامسة قد تنسى تمامًا .
و انا لازلت أتذكر ما حدث ولا زالت الذكرى في أولها، أولها الذي يعطي الحدث و ذكراه حرارته .
قبل يومين من حلول ذكرى الحدث، بالامس فقط، مارست حماس دورها الجديد الذي تقاسمت مع سلطة فتح في الضفة، ككلب حراسة حدود إسرائيل مع غزة وقامت بالقبض على بعض "المخربين" من مطلقي الصواريخ على الاراض الاسرائيلية المقدسة، لكن ذلك لم يكن يعنيكِ أيتها الراحلة .
وقبل أسبوع من حلول ذكراك قامت إسرائيل " الدولة الصديقة" بقتل ضابط حدود مصري كإعادة لمشهد إعتيادي يتكرر بين الآن والاخر، لكن ذلك أيضا، لم يكن يهمك .
وكأنك كنت تختيارين يوم موتك وتحاذين به ذكرى ما سيتذكرها الجميع، الثاني عشر من تموز ( يوليو ) في الرابعة والنصف عصرًا تموتين، كحادث عارض لا تنتبه له حركة الاشياء ولا يهتز ايقاع الاحداث له ، يمر كمرور السحب في نهار الصيف القائظ دون أن تقطع له نشرات البث الفضائي ، النشرات كانت مهتمة بذكرى الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان في العام السابق على موتك، لذا لم ينتبه أحد لوفاتك .
رحلتي لتجددي بالقلب جراحًا ولتتركي داخله جرحًا لم يلتأم حتى الان، او يكف عن إيلامه .
أحببتك أيتها الصغيرة، واستطيع أن أجزم انك انتِ الوحيدة التى كنتِ تفهمينني دون أن اتحدث، رغم صغر سنك وضآلة حجمك .
عامان أم اكثر، سامحيني انا لا أتذكر العمر الذي رحلتي عنه لاني لم أشهد يوم مولدك، لكني اذكر يوم دخولك حياتي الكئيبة لتسعدي قلبي الحزين في أكتوبر 2005، ولازلت أذكر كذلك إبتسامتك وانتِ تشبين على قديمك الصغيرتين لتنظرين اليّ من خلف السياج الحديدي الموضع بيننا، ولازلت أذكر أسنانك الارنبية في مقدمة فمك حين كنت أقبلك لما يرتفع السياج من بيننا، تلك الاسنان التى أبحث عنها في فم أي فتاة أقبلها فأعود خائبًا .
رحلتي لتتركيني وحيدًا، طوال العام المنصرم أحيا شعورًا دائمًا من الاكتئاب الحاد وحالة حزن عبثية وهاجس شديد بالوحدة، وخوف أشد من فقدان من أحب .

يوم وفاتك خرجت من المنزل على وجه السرعة، مصادفة تلك جمعت بين لحظة وفاتك في الرابعة والنصف عصرًا وبين وفاة أمي من قبلك وخشيت من تذكر المشهد؛ على المقهى جلست وأخبرت من التقيتهم بموتك فلم يهتم لذلك أحد، شخر البعض مني ودعا الاخرون ربهم أن يكملني بعقلي ولم أندهش، فكيف يحبك من لم يرك ويجالسك ويسمع صوت همهمتك الطفولية .
 
 
 
ظاظا الحبيبة أمامي الآن وانا أكتب تلك الكلمات أولادك، كل ما تبقى منك، أبنك البكري وابنتك الصغرى التى متتي بينما كنتي ترضعينها، وحفيدتين من ابنائك لم تريهما، صغار لازالوا عاجزين عن قرض الخشب .
أبنك البكري أصبح عجوزًا أخشى موته هذا الصيف، بينما أبنتك الصغرى بخير، تذكرني بك حين تشب على قدميها الصغيرتين وحين أقبلها وحين أهديني سلامي لك انت الراحلة الميتة .
ظاظا سلامي لك وتذكري أنك لازلت حية بيننا .
 

حقيقة انا جديد

حقيقة انا جديد على المدونات وقد اكتشتف عالم جديد فعلا