حكايات الصولي- نورا
Submitted by nadim on Thu, 02/10/2008 - 20:17.
مقطع من رواية تصدر قريبًا
وصلت المبنى الذي وصفته نورا في رسالتها لي، طرقت الباب الحديدي فانفتح دخلته فاُغلق لكني لم أجد أحدًا .
كان الباب يفتح على بهو واسع جدرانه عاليةً عاليةً لها نوافذ مستطيلة زجاجية في آخرها، رغم حجمها الهائل لاتنفذ ضوء الشمس .
البهو يدور حول عمود مستطيل يقع على يسار الداخل، وبالعمود مصعدان في كل ضلع .
درت حول الضلع الأول يسارًا بحيث أصبح المدخل خلفي ولم أر أحدًا، ويسارًا درت حول الضلع الثاني ولم أر أحدًا، وحول الثالث وحول الرابع، وعدت إلى نقطة البدء، ولا أحد .
على الحائط المواجه لي بان باب موارب لحجرة، بدا منه ظل سرير خشبي واطئ مبعثرة ملاءته، وكنت بالبيجامة وفي قدمي شبشب باصبع واحد .
هل إستدعتني نورا برسالتها أم أني قد فتحت عينيّ فوجدت حالي في ذلك المبني و اخترع ذهني تلك الحكاية إكمالاً لهلاوس النوم الليلي ؟!، كنت أحب الهلاوس وكثيراً ما مارستها عن عمد، كيف كنت أريدها حين أراها؟ ، ربما بنية العينين والشعر، بيضاء ممشوقة القوام تقصر عن قامتي بقليل، بشفتين ملفوفتين لونهما وردي، ناديت باسمها فلم يجب أحد، ناديت مرة أخرى فجاوبني الصدى، ناديت حتى انقطعت انفاسي و سقطت مغشيًا عليّ .
حين احسست بمن يخنقني بشدة أفقت، وجدت نفسي مرتديًا بدلة كاملة وتحت ياقة قميصي رابطة عنق معقودة بإحكام، أمامي طاولة خشبية طويلة عليها أربعة جلوس، وأنار البهو ضوء الشمس الداخل من الخارج، وفوق الجلوس لوحة معلقة مكتوب عليها الإستقبال، إنفتح المصعدان من خلفي فخرج أناس ودخل آخرون، وسألت الجلوس عن نورا فلم يعرفها أحد .
خلف الاربعة جدارٌ عليه مرايا رأيت فيها روحي مهندمًا، مصفف الشعر مُجَيّله، سالتهم عنها مرة أخرى وصحت باسمها مادًا الألف الأخير " نوراهــ " فلم يعرفوها مرة أخرى .
قال لي من يقف بجانبي "إتفضل معايا، هي في إنتظارك "، كان فارع الطول، ولم أتبين ملامح وجهه .
نظرت إلى الاربعة الجلوس فابتسم أولهم وآخرهم، سرت معه ونظرت خلفي فاختفى ثانيهم وثالثهم .
إتجهنا ناحية عمود المصاعد ولم ندخل أيًا منها، دخلنا في دهليز طويل، و كنت لا أحس لدليلي خطوًا و لا أرى منه سوى ظهره العريض في بدلته القاتمة، نظرت إلى بدلتي كانت من نفس اللون .
طال الدهليز حتى ظننته أبديًا، وقبل سؤالي دليلي " متى النهاية؟ " فتح بابًا فأغمضت عينيّ من شدة وهج الشمس، وخرجنا من المبنى .
أصبح مربع المباني خلفنا، سرنا حتى وصلنا إلى شجر كثيف ملتف توقفنا عند بدايته و نادى دليلي دليلاً آخرًا فأتاه .
− وصله لنورا .
قال له و أسلمني إليه ثم ذهب .
− اتفضل معايا .
قال ثم صمت فاتبعته .
كان يرتدي نفس البدلة القاتمة التي كان يرتديها صاحبه الأول و التي أرتدي أختها، دخلنا وسط الاشجار و ظهر عن يسارنا برج عالٍ، جذب نظري تصميمه الغريب، مربع الجوانب ينتهي بقبة رمادية عامق لونها مخمسة الاطراف مسننة على الطراز القوطي، وتحت القبة اربع ساعات دائرية على الجدران الاربع، خلفياتها من الرخام الأسود دون شرط علي محيطها، ولا يظهر منها، رغم ضوء الشمس الشديد، سوى عقربين مضيئين يصنعان معًا خطًا مستقيمًا .
كنا نسير في إتجاه عقارب الساعة في خط دائري وعن يسارنا برج الساعة، و حين أنهينا دورتنا الأولى ضاقت المسافة بيننا و بين البرج فأدركت أن الأشجار مزروعة بطريقة حلزونية؛ لو كنا على طرفي عقربي ساعة فأننا نتحرك نحو مركزها، كأن الحلزون هو الزمن والبرج مركزه .
درنا ثلاثة فأصبحنا أمام البرج، كان لمبنى قديم ضخم عليه حروف أجنبية تشكل كلمات لم أتبين بأى لغةٍ كتبت، أعتقدت أنها الفرنسية لكثرة تكرار حرفي es في أواخرها، وأسلمني دليلي الثاني لدليل آخر جالس على باب المبنى وتركني ومضى .
أخرج دليلي الجديد سجلاً وسألني عن أسمي أجبته فتعجب وعاود سؤالي، عاودت أجابته فعاود تعجبه لكنه سجل أسمي ولم يعاود السؤال .
اغلق السجل فلمحت مكتوبًا عليه ( خط سيرك يكتب حروف أسمك )، وقام من مقامه ونادي احدهم فأتاه، أسلمني إليه فصحبني حتى الباب، ولم اتبين ملامح وجهه، كان غطاء رأسه يأتيه ضوء الشمس من الأعلى فيجعل وجهه دومًا في الظل .
دخلنا من الباب الدائري فوجدت أمامي جدارًا، درنا فظل أمامنا ثم انفتح وألقانا داخل المبنى، كان الباب الدائري يدور داخل إسطوانة حجرية ذات فتحة واحدة تدور عكسه بنفس سرعة دورانه، حتي تتقابل فتحتاهما فينفتح الباب .
داخل المبنى كانت الإضاءة خافتة جدًا ولم يظهر من دليلي سوى ظهره الطويل وبلدته السوداء، وغطاء رأسه شبه العسكري الذي أبان من تحته ظلالاً لرأس صلعاء .
دخلنا في دهليز ووصلنا إلى باب، فتحناه فانفتح على دهليزٍ آخر، دخلنا الدهليز الآخر ووصلنا إلى باب آخر فانفتح على سلم مستطيل صاعد للطوابق الأعلى، صعدنا مجموعة درجاته الأولى ثم أنعطفنا، وصعدنا مجموعة الدرجات الثانية فوصلنا الطابق الأول .
كان الطابق الأول يبدأ بممر طويل على جداريه أبواب مغلقة من فوقها شبابيك زجاجية مغلقة، وجدرانه أعلى بكثير من جدران الطابق الأرضي .
حين وصلنا نهاية الممرين كان أمامنا حائط عليه شباك مشبوك بمقبض حديدي عريض يغلق ضلفتيه، وعن يمينه ممر وعن يساره ممر، وظلام دامس يبدو في آخر اليمين وظلام دامس في آخر اليسار .
وقفنا أمام الشباك المغلق ولم دليلي أيٌ من الممرين أولى بالدخول، سألته فلم يجب، ناديته فلم يرد، جذبته ظل جامدًا ولم يهتز، دفعته فاصطدم جسده بالجدار وسقط؛ تدحرج الكاب عن رأسه الصلعاء، فتدحرجت الرأس الصلعاء، كانت مقطوعة .
»
- Add new comment
- 93 reads










